* كتاب (معالم الكتابة ومغانم الإصابة) تأليف: عبدالرحيم بن علي القرشي
في القرن السادس الهجري نشط بعض أعلام اللغة العربية في التأليف، وغاصوا في أعماق المعاني والألفاظ؛ فاستخرجوا لنا جواهر ثمينة ودرراً نفسية من كنوز لغتنا، وجاءتنا كتب لا تشبه الكتب؛ فالكتاب في الأصل جزء واحد، أما مؤلفات علمائنا فكانت موسوعات ضخمة أعيت من يقرؤها أو يُحققها. ومن الطريف أن جامعاتنا تتيح المجال لأن يشترك عدد من الباحثين الراغبين في الحصول على الدرجات العلمية العالية في تحقيق كتاب واحد من كتب علمائنا رحمهم الله.
أقول هذا وأنا أقرأ كتاب عبدالرحيم القرشي المتوفى عام 625هـ (معالم الكتابة ومغانم الإصابة)، وبين يدي طبعته الأولى المحققة، التي طُبعت عام 1408هـ - 1988م لدى دار الكتب العلمية في بيروت، بتحقيق وضبط وتعليق محمد حسين شمس الدين، وجاءت في 263 صفحة من القطع الكبير.
بُدئ الكتاب بمقدمة المحقق من ص5 إلى ص20، ثم مقدمة المؤلف من ص23 إلى ص25، وفي صفحة 26 صورة من المخطوط مأخوذة من الطبعة الأولى لسنة 1913م. وفي مقدمة المحقق ناقش ثلاثة موضوعات رئيسية هي:
1 - ديوان الإنشاء الإسلامي ومراحل تطوُّره في تسع صفحات.
2 - الدساتير أو كتب الألقاب والمراسيم ومصطلحات الكتابة في صفحتين.
3 - ابن شيث وكتابه: معالم الكتابة ومغانم الإصابة في خمس صفحات.
ومقدمة المحقق تُعدّ كتاباً مستقلاً؛ لأنها تضمنت دراسة للموضوعات الثلاثة، وأورد فيها المحقق حقائق تاريخية نفيسة.
أما المؤلف فقد أبان في مقدمته قصة تأليفه للكتاب وغرضه منه، وفيها يقول (وبعد، فقد كنت ألفت كتاباً في رسوم الكتابة التي سقطت في هذا الوقت تاؤها وطمست أبناؤها فالدارج عن سبيلها دارج، والداخل فيها عن طريقها خارج، والحاسب فيها راجم بظنه وحاصب وحاطب ليل لا يأمن المعاطب، وتوسعت فيه بحيث لم أترك فناً إلا ورسمت فيه فنوناً وفتحت فيه للناظر فيه عيوناً..) ومعنى قوله سقطت تاؤها يعني صارت: كآبة!! ومعنى دارج الأولى دب في أول مشيه، ودارج الثانية: منحرف!! وهذا قول ابن شيث عن عصره، فماذا سيقول لو أدرك عصرنا اليوم؟ ونحن نرى الكتابة صارت تكسباً وتزلفاً، وصارت مهنة من لا مهنة له، وأمسك القلم من هبَّ ودبّ؛ فاخرجوا لنا غثاء من القول يسمونه أدباً وهو (قلة أدب).
ثم يذكر المؤلف أنه قد ترك كتابه الأول لطوله وغموضه، وألّف هذا الكتاب فيقول (وقد رسمت في هذا المجموع ما يجد الكاتب فيه ما يعنيه فيما يغنيه، وأدنيت له من قطوف أغصانها ما يجنيه، فإذا أخذ به الكيس اهتدى به في أعماله، ونسج فيما يكتب به على منواله، ورسمت له في كل معنى ربما يُسبَر به الكاتب ويمتحن، ويقيد به ويرتهن، كتابين جعلتهما له نموذجاً، وأطلعت لها منهما شمساً وبدراً يهتدي بهما في نهار اليقين إذا تجلى وفي ليل الشك إذا دجا.. وكُله مما كتبته على الخاطر بديهة وارتجالاً، ولم أر بعد النظر انتقالاً إلى كلام أحدٍ عن كلامي ولا ارتجالاً، ولا رسمت أيضاً فيه شيئاً مما تقدم من مكاتبتي لأني لاسترجاع ما يصدر مني غير مُعود، وأكثره لم يكن له عندي أصل لأنه كان غير مُسوَّد) (ص24-25).
ونظراً إلى طول الكتاب وأهميته وكثرة ألفاظه ومعانيه فسأكتفي في هذا العرض بذكر عناوين أبوابه وموضوعاته، فهي المفاتيح للراغبين والدليل للسائرين:
الباب الأول: المطلب الأول: فيما يجب تقديمه ويتعين على الكاتب لزومه.
المطلب الثاني: في آداب كتاب الملوك وأركان الدولة.
الباب الثاني: في طبقات التراجم وأوائل الكتب وما يكون به التخاطب بين المتكاتبين على مقدارهما (والمقصود بالتراجم عناوين الكتب واسم الكاتبين ومن كتب لهم).
الباب الثالث: في ذكر وضع الخط وحروفه وبري القلم وإمساكه مما لا يستغني الكاتب عنه، نقلته نقلاً من كلام بعض الكتاب، إلا أني اختصرته.
الباب الرابع: في البلاغة وما يتصل بها.
الباب الخامس: ص119 في ألفاظ يقوم بعضها مقام بعض، لا يستغني عنها الكاتب.
الباب السادس: ص137 في الأمثال التي يدمجها الكاتب في كلامه ويستشهد بها نظماً عند توغله في القول واقتحامه.
الباب السابع: (وذكر المحقق أن الباب السابع ساقط من الأصل الموجود في مكتبته دير المخلص).
أما الثامن فهو: فيما لا بد للكاتب من النظر فيه والتحرز منه وكثيراً ما يسقط فيه كثير من الكتاب ص175 إلى نهاية ص242، وهي نهاية متن الكتاب.
وفي الباب الثامن: قال المؤلف (أولاً) فمن ذلك معرفة ما يكتب بالظاء، وقد كنا نظمنا في ذلك أبياتاً وهي: وأورد تسعة وثلاثين بيتاً تتضمن الكلمات التي تكتب بالظاء ومطلع الأبيات قوله:
أيا طالب الظاءات مستشفياً بها
وقعت على الشافي فخذها تبرُّعا
هي: الظُّلم، والإظلام، والظَّلم، واللظى
ولفظ، ولحظ، والحظوظ لمن وعى
وبعد تلك الأبيات قال المؤلف: (ثانياً) ومنها ما يكتب بالياء والألف - ومراده المقصور والممدود من الأفعال - فإنه كثيراً ما يسقط فيه الكتاب، وقد حررنا في ذلك أبياتاً أيضاً، وهي: وأورد ستة عشر بيتاً ومطلعها:
وإذا أردت الفرق بين الياء وال
ألف التي للفعل فيما يكتب
ألحق بها تاء الخطاب فإن تكن
من قبلها ياء فتلك المذهب
وإذا أتت من قبلها واو فبال
ألف الكتابة وهو حكم موجب
ثم قال المؤلف: (ثالثاً) ومن ذلك ألفاظ يغلط فيها كثير من الكتاب لا بد من التنبيه عليها، وذكر منها: (فلانٌ يطابق فلاناً) ويريدون بذلك أنه يوافقه، وهو غلط لأنَّ المطابقة المضادَّة، كالليل والنهار، والضحك والبكاء وما أشبهه.
وفي هذا الباب ذكر المؤلف:
أ - ما يذكر ويؤنث من جسد الإنسان وغيره مثل: العنق واللسان والضرس والطريق.
ب - ما يذكَّر فقط مثل: الرأس والجبين وجفن العين وجفن السيف والبطن والقلب.
ج - ما يؤنث فقط مثل: العين والقُبلة والأذن والسِّلم والخيل والإبل والدلو.
د - أفعال جاءت متعدية كما هي لازمة مثل قولهم: رَكَضت الدابة ورَكضْتُها أنا. وخَسأ الكلب وخَسَأْتُه، وفَتِنَ الرجل بنفسه وفَتَنَه آخر، وحزن الرجل وحَزَنْتُه.
ومن روائع الكتاب ما ذكره في الباب الخامس: في ألفاظ يقوم بعضها مقام بعض، ومنه: (يقال: أول ما افتتح به القول، وما ابتدئ به الكلام، وما شرع فيه ابتداء، وما جعل مفتاحاً للمقال، وما حركت به الخواطر، وما استحثت له الأفكار، وما امتريت له القرائح، وما هزّت له أغصان البلاغة، وما انتضيت له سيوف الألسنة، وما عجل له قرى البديهة، وما يُؤمن بابتدائه).
(ويقال: هو عيبة سري، وخزانة رأيي، ومادَّة أنسي، وشقيق روحي، وقيم نفسي وعِدَّة دهري، وذخيرة فقري، وسبب يدي، وذريعة أمري، وهو أنا، إذا حضر فما غبت وإذا قال فما صَمَتُّ) (ص120-122).
ومنه كذلك: (يقال: أعظم من تسمو إليه الهمم، وترنو إليه الأبصار، وتمتد إليه الأعناق، وتطمح إليه العيون، وتنزع إليه القلوب، وتميل إليه النفوس، وتعنو إليه الوجوه، وتعلق به الخواطر، وتلهج به الأفكار، وتقف عنده الآمال) (ص123).
إنَّ درر هذا الكتاب كثيرة جداً، ونوادره وفوائده نفيسة فريدة، ولذلك - وكما كرَّر المؤلف - لا يستغني عنها الكتاب، ومن جهلها منهم وقع في الزلل والخطأ، وفقدت كتابته جمالها وتأثيرها.
ومما يلزم ذكره في هذا العرض للكتاب الأمور الآتية:
أولاً: أنّ الكتاب من ذهن مؤلفه، ولم ينقل من غيره؛ لذلك فإن القرشي يُعدّ من بحور اللغة وأعلامها في عصره.
ثانياً: يُرَدِّد بعض كتاب زماننا أن القرنين السادس والسابع وربما ما بعدهما عصور ضعف علمي ولغوي بل ويتبجح بعضهم بإيراد لفظ (انحطاط)، وإنّه لعجب أن يُقال عن عصور أُلّفت فيها أمهات كتب اللغة عصور: ضعف أو انحطاط!
ثالثاً: إنّ محقق الكتاب قد زاده جمالاً وتوثيقاً بشرحه لألفاظه وتصويب بعض أخطائه وضبط مفرداته، وقد أحسن في ذلك وأبدع، وفاق عمل بعض طلاب الدراسات العليا في جامعاتنا الذين لا يزيد عملهم في التحقيق عن عمل الفهارس وشرح بعض المفردات.
رابعاً: ما أشد حاجة محترفي الصحافة وأدعياء الثقافة في زماننا للقراءة في هذا الكتاب وأمثاله قراءة متدبِّر راغب في الصّواب، ومُطَّرح لتقليد الغراب.
خامساً: أجزم بأنّ ما ذكرته هنا سيعجب دعاة الأصالة وروّاد آدابها، ولربما أن هذا الكتاب قد نال اهتماماً من بعض الدارسين والمحققين، ولكني هنا أضيف لبنة وأوصل رسالة إلى من لم تصل إليه. وما توفيقي إلا بالله.
(عرض وتعليق) عبدالعزيز بن صالح العسكر* عضو الجمعية العلمية السعودية للغة العربية
مدونات الأدب والشعروالحكم والأمثال
وصلات إلى مدونات تحت محاور أخرى
مدونات الأدب والشعروالحكم والأمثال
مقالات في الأدب العربي
- مدونة مقالات الأستاذ محمود شاكر رحمه الله
- سعيد عقل ، جابر عصفور ، محمد أركون ، أدونيس ، غالي شكري
- قراصنة الأدب والفكر..................بقلم : عبد الرحمن العشماوي
- الأستاذ أبو مالك العوضي حفظه الله يعرف برسالة منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن للدكتور سليمان يوسف خاطر
- عصر الاحتجاج بقلم الدكتور عبد المحسن العسكر
- من أعداء الإسلام الحاقدين لويس شيخو اليسوعي ت 1346 بقلم الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر
- الأدب الأندلسي بقلم الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله
- شعر المتنبي في ميزان الصاحب بن عبَّاد بقلم الشيخ محمد المجذوب
- تعريف بكتيب الأدب العربي في ظل القومية العربية لمؤلفه الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله
حمل من هنا كتب الأدب العربي
02 نوفمبر, 2011
07 أكتوبر, 2010
خاتمة كتاب مناهج اللغويين في تقرير العقيدة إلى نهاية القرن الرابع الهجري لفضيلة الشيخ الدكتور محمد الشيخ عليو محمد
خاتمة كتاب مناهج اللغويين في تقرير العقيدة إلى نهاية القرن الرابع الهجري لفضيلة الشيخ الدكتور محمد الشيخ عليو محمد
عن موقع الدرر السنية
الخاتمة
(( لا يسعني في ختام هذا البحث إلا أن أشكر المولى عز وجل الذي أمدني بفضله وآلائه وأعانني على إنجاز البحث المتواضع فبنعمته تتم الصالحات وتبلغ الغايات وحسبي أني بذلت فيه مقدار طاقتي أو قاربته فما كان فيه من صواب فهو من فضل الله وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان وأستغفر الله منه وأتوب إليه وقد رأيت أن ألخص أهم معالمه في هذه النقاط التالية:
1- تبين فيما مضى أن المنهج لغة:هو الطريق البين الواضح واصطلاحا: خطوات عملية منظمة يتخذها الباحث لمعالجة أمر ما للوصول إلى نتيجة ذهبية أو محسوسة .
2- للمنهج أهمية كبيرة وعظيمة في المعارف كلها إذ بدونه يحصل الاضطراب ويصعب الوصول إلى نتائج حاسمة وتتجلى أهمية العقيدة في المناهج كونها الركيزة الأولى التي تنبني عليها المذاهب المختلفة فما من فرقة إلا وتسلك في مناهجها مع ما يتفق مع عقيدتها وأهوائها ولذلك فإن معرفة منهج الشخص هو الطريق إلى معرفة عقيدته .
3- للإنسانية مناهج مختلفة في تقرير العقائد عموما منها: المنهج المادي والمنهج العقلاني والمنهج التجريبي والمنهج الإسلامي بين تلك المناهج المختلفة هو: المنبني في تقرير عقيدته على الوحي بقسميه: الكتاب والسنة الصحيحة من غير تمييز بينهما .
4- وللإسلاميين كذلك مناهج متباينة في تقرير العقائد منها: منهج الخوارج المنبني على التشدد والغلو في الدين ومنهج الرافضة المنبني على الغلو في أهل البيت وتنقص السلف ومخالفة المسلمين ومنهج المرجئة المنبني على التساهل ومنهج المتكلمين المنبني على تقديم العقل على النقل ونفي الصفات أو تأويلها ومنهج الفلاسفة المنبني على الإلحاد والتعطيل ومنهج الصوفية المنبني على الغلو في الأشخاص والرهبانية المبتدعة ومنهج أهل السنة والجماعة بين تلك المناهج المضطربة هو: المنبني على الاعتصام بالكتاب والسنة وما اتفق عليه السلف والتابعون فمن قال بالكتاب والسنة وإجماع السلف كان من أهل السنة والجماعة وتوسط بين الغالين والمقصرين .
5- اختلف اللغويون قبل القرن الرابع الهجري في تعاملهم مع اللغة العربية لتقرير العقائد تبعا لاختلاف مناهجهم العقيدة فتوزعوا في خمسة مناهج رئيسة هي: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج المعتزلة ومنهج الأشاعرة ومن شابههم ومنهج الشيعة والرافضة ومنهج الخوارج .
6- لمنهج أهل السنة والجماعة في تعامله مع اللغة العربية في تقرير العقائد قواعد وأسس منها: اعتبار العربية أصلا من أصول الدين والتثبت من روايتها ورواتها والاحتكام إلى قوانين العربية وقواعدها والأخذ بالقياس والظاهر وبما تفهمه العرب من خطابها دون الشاذ والغريب والبعيد إلا بقرينة والابتعاد عن المصطلحات الكلامية المستحدثة ومراعاة دلالة السياق وأحوال المتكلم والمخاطب والقرائن في الألفاظ اللغوية والشرعية وتقديم المدلولات الشرعية على اللغوية والاعتماد في تفسير ألفاظ الكتاب والسنة والآثار واللغة على الكتاب والسنة وأقاويل السلف لا على اللغة المجردة
7- وللمنهج الاعتزالي في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد سمات منها: الاعتماد على العقل أو اللغة المجردة أو الأشعار في تفسير المفردات اللغوية الشرعية وتجريد الألفاظ العربية من المعاني التي تدل عليها وحملها على ما يتلاءم مع عقائدهم من غير مراعاة للسياق والتصرف في معاني الألفاظ الشرعية بالوجوه الإعرابية والقراءات الشاذة وتحريف مدلولات الصيغ الفعلية والأدوات والحروف حتى تنسجم مع مبادئهم والتحكم في سياقات اللغة العربية بالتأويل والتقدير وادعاء أن هناك محذوفا يجب تقديره ورد دلالات الألفاظ الشرعية بالأساليب البلاغية المستحدثة وعدم الأخذ بتفسير السلف للغة العربية ورده .
8- كذلك للمنهج الأشعري في تعامله مع اللغة العربية في تقرير العقائد سمات منها: الاعتماد على المنهج الاعتزالي مع اللغة العربية السالف الذكر وتفسير المصطلحات العقدية باللغة المجردة أو الأشعار وتطويع اللغة العربية لمتطلبات المذهب وصرف اللفظ عن ظاهره مع عدم بيان المراد منه وهو ما يعرف عندهم بالتفويض غير أنهم يخالفون المعتزلة فيما إذا كان تخريجهم للغة مخالفا لعقائدهم ويتقبلون ألفاظ النصوص المتعلقة بالغيبيات بناء على إثباتهم للسمعيات.
9- وللمنهج الشيعي الرافضي أيضا خصائص في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد منها: الكذب على اللغة وتحريف الكلم عن مواضعه والتصرف في الحروف والوجوه الإعرابية النحوية لدعم المذهب واختيار الأوجه الغريبة والشاذة للاحتجاج بها وتوظيف فقه اللغة لخدمة معتقداتهم وأسمائهم ورد تفاسير السلف للغة العربية جملة وتفصيلا.
10- أما منهج الخوارج فليس له سمات واضحة في تعامله مع العربية لتقرير العقائد لأنه كان قليل الحظ لدى اللغويين غير أن قدماءهم كانوا نصيين يغالون في فهم ظاهر ألفاظ الكتاب والسنة ولا يلتفتون إلى الأدلة الأخرى الواردة في المعنى نفسه فأوقعهم ذلك في التكذيب لما يخالف ظنهم من الآيات والأحاديث والتكفير على الكبائر وتوابعه أما متأخروهم فقد تأثروا بالمعتزلة وأخذوا بمناهجهم مع اللغة العربية لتقرير العقائد .
11- تعد العربية أصلا من أصول الدين ومعتمدا من معتمدات الشريعة لأنه لا يفهم معاني الكتاب والسنة إلا بمعرفتها وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما أن لها تأثيرا مباشرا ودورا حيويا في فهم العقيدة الصحيحة وتجلى ذلك بوضوح في المسائل اللغوية العقدية المذكورة والتي اختلف فيها أهل السنة والجماعة مع غيرهم وذلك كله مما يدل على أهمية معرفة عقائد اللغويين الذين يرجع إليهم في تفسير كتاب الله وأخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن اتباعهم على الأخطاء اللغوية يؤدي إلى الوقوع في المهالك العقدية .
12- ظهر في الباب الأول تقرير الأئمة اللغويين: نصر بن عاصم الليثي وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وأبي عمرو بن العلاء وحماد بن سلمة والخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه ويونس بن حبيب البصري والكسائي والنضر بن شميل النحوي والأصمعي وأبي عمرو الشيباني وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي عمر الجرمي وابن الأعرابي والرياشي وأبي الهيثم الرازي وابن قتيبة وإبراهيم الحربي وثعلب وابن الحداد المغربي وابن دريد ونفطويه وأبي بكر ابن الأنباري وأبي جعفر النحاس وأبي عمر الزاهد ( غلام ثعلب ) والأزهري وأبي بكر الزبيدي وابن فارس وبديع الزمان الهمذاني لمنهج أهل السنة والجماعة في عقائدهم ومدى الجهود الجبارة التي بذلوها في الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة .
13- وتبين في الباب نفسه أنه لم يصح اتهام نصر بن عاصم وأبي عمرو بن العلاء بالإرجاء كما لم يثبت اتهام الخليل بمذهب الزيدية أو الإمامية مثلما لم يصح ادعاء المعتزلة والإمامية لسيبويه وتم توجيه مقصد سيبويه في قوله: إن الاسم غير المسمى وظهر صواب تسميته ما سمي بالمجاز بعده بـ ( اتساع كلام العرب واختصاره ) واتضح طهارة الكسائي من التهم الأخلاقية التي رماه بها حاسدوه وبراءة الإمامين الأصمعي وابن قتيبة من الأشياء المفتراة عليهما كما تبين بُعدُ ابن دريد ونفطويه وابن فارس من التشيع مع توجيه اتهام البعض ابن دريد وابن فارس بالتشيع والأخذ على أبي بكر ابن الأنباري وأبي جعفر النحاس والأزهري وابن فارس في تأويل بعض الصفات وبالأخص الصفات المقرونة بما يقابلها وبيان أن ذلك يخالف منهجهم العام في إثبات الصفات الإلهية على منهج السلف .
14- وأما الباب الثاني وهو المعقود للمعتزلة فظهر فيه التزام قطرب والأخفش والجاحظ والناشئ الأكبر وابن كيسان وأبي علي الفارسي والمرزباني والرماني والصاحب بن عباد وابن جني والجوهري وأبي هلال العسكري والشريف الرضي بمنهج المعتزلة في تقرير العقيدة مع اختلاف درجاتهم في تقرير المذهب والاستدلال له والدفاع عنه بحسب تمكنهم من العربية وعلم الكلام وتقلد الرئاسة على حين ترجح اتهام هارون الأعور ويحيى بن المبارك اليزيدي وابنه عبد الله بن يحيى بن المبارك وأبي حاتم السجستاني وأبي عثمان المازني وأبي سعيد السيرافي وأبي أحمد العسكري بالاعتزال للقرائن التي ذكرناها في مواضعها وتأكد اتهام أبي زيد الأنصاري والمازني بالقدر مع عدم وجود دلائل قاطعة في ذلك .
15- وظهر في الباب نفسه تأثر كثير من متأخري المعتزلة بالتشيع كالمرزباني والرماني والجوهري وغيرهم أو بالرفض كالصاحب بن عباد والشريف الرضي نظرا لتأثر المعتزلة بالشيعة والعكس منذ أيام المأمون كما بيناه بالتفصيل عند كلامنا على تشيع علي بن عيسى الرماني .
16- وأما الباب الثالث فظهر فيه وجود جمع من اللغويين الذين سلكوا مسلك الاضطراب في إثبات الصفات الإلهية نفعا وإثباتا كالفراء والمبرد والزجاج والزجاجي وابن خالويه والخطابي وأبي عبيد الهروي الباشاني مع موافقتهم أهل السنة والجماعة في المسائل العقدية الأخرى وعليه فإن ذكرنا لهم عند كلامنا على المنهج الأشعري في التمهيد هو من حيث مشابهتهم للأشاعرة في إثبات بعض الصفات ونفي بعضها لا من حيث الانتساب إليهم كمذهب فإنهم لم يلتزموا لا بقواعد الأشاعرة ولا بقواعد الكلابية في تقرير الصفات وبعضهم مات قبل ولادة الأشعري حسب اطلاعي.
17- وأما الباب الأخير فظهر فيه ثبوت تشيع أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر العدواني وأبان بن تغلب الجريري ومعاذ بن مسلم الهراء وابن السكيت وأبي حنيفة الدينوري وأبي الفرج الأصفهاني وأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي مع التنصيص على أن تشيع الخمسة الأول كان على نمط قدماء الشيعة الذين كانوا يقدمون عليا على عثمان رضي الله عنهما من غير نيل من باقي الصحابة والسلف على حين كان الأخير شيعياً إسماعيلياً باطنياً شديد العداوة لأهل السنة والجماعة وإن حاول إخفاء مذهبه .
18- كما ظهر في الباب نفسه انتساب عند عبد العزيز القارئ ( بشكست ) وأبي عبيدة معمر بن المثني للخوارج وبيان اضطراب أبي عبيدة في باب الصفات الإلهية واتهامه بالشعوبية وإن كانت بعض مؤلفاته تدل على براءته منها وبعد منهج ابن المقفع وأبي بكر بن السراج عن منهج أهل السنة والجماعة مع عدم ثبوت انتسابهما لأحد الفرق وبراءة ابن عبد ربه من التشيع وإن كان فيه انحرافا عن بعض الأمويين وكون منهجه على نمط منهج أهل السنة والجماعة في عصره بصفة عامة وإن كنا لا نعرف تفاصيل منهجه لعدم تأليفه في العقائد.
وفي الختام أوصي إخواني الباحثين الاعتناء بجمع المسائل اللغوية العقدية التي اختلف فيها أهل السنة مع مخالفيهم ودراستها لإبراز أدلة أهل السنة والجماعة اللغوية على مسائل العقيدة والكشف عن مناهجهم مع اللغة العربية لتقرير العقائد وإظهار جهودهم الكبيرة في الرد على المتطفلين على العربية باللغة العربية من أرباب الفرق والأهواء خاصة وأنه لا يوجد كتب مستقلة في ذلك.)) .. انتهى
.............................. .............................. .............................. ..
1.الفراهيدي، الخليل بن أحمد، ت:175هـ من مؤلفاته (كتاب العين، وكتاب العروض، وكتاب الشواهد، وكتاب النقط والشكل)
2. سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، ت:180هـ من مؤلفاته (الكتاب)
3. الكسائي، علي بن حمزة بن عبد الله، ت:189هـ من مؤلفاته (معاني القرآن)
4. النضر بن شميل بن خرشة النحوي، ت:203هـ
5. الأصمعي، عبدالملك بن قريب، ت:213هـ من مؤلفاته (الأضداد،)
6. أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ت:224هـ من مؤلفاته (الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، غريب الحديث، فضائل القرآن، الأمثال، الأموال، الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته، الخطب والمواعظ، السلاح، الطهور)
7. ابن الأعرابي، محمد بن زياد، ت:231هـ من مؤلفاته (النوادر، الأنواء، الخيل، تاريخ القبائل، الألفاظ)
8. ابن قتيبة الدينوري، عبدالله بن مسلم ، ت:276هـ من مؤلفاته (أدب الكاتب، الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير، المعاني الكبير في أبيات المعاني، تأويل مختلف الحديث، تأويل مشكل القرآن، تفسير غريب القرآن، عيون الأخبار، غريب الحديث، الميسر والقداح) وغيرها كثير يفوق الستين
9. إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي، ت:285هـ من مؤلفاته (غريب الحديث، إتباع الأموات، ذم الغيبة، سجود القرآن، رسالة في أن القرآن غير مخلوق، إكرام الضيف)
10. ثعلب، أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني، ت:291هـ من مؤلفاته (معاني القرآن، مجالس ثعلب، الفصيح)
11. ابن الحداد سعيد بن محمد بن صبيح المغربي، ت:302هـ من مؤلفاته (توضيح المشكل في القرآن، المقالات، الاستيعاب، الأمالي، عصمة المسلمين، العبادة الكبرى والصغرى، الاستواء)
12. ابن دريد، محمد بن الحسن الأزي، ت:321هـ من مؤلفاته (جمهرة اللغة، الاشتقاق، ديوان شعر، السرج واللجام، الملاحن)
13. نفطويه، إبراهيم ين محمد بن عرفة، ت:323هـ من مؤلفاته (التاريخ، الرد على من قال بخلق القرآن، مسألة سبحان)
14. ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم ، ت:328هـ من مؤلفاته (إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، الزاهر في معاني كلام الناس، الأضداد، الرد على من خالف مصحف العامة، مشكل القرآن)
15. النحاس، أبو جعفر أحمد بن محمد، ت:328هـ من مؤلفاته (معاني القرآن الكريم، اشتقاق أسماء الله، إعراب القرآن، الناسخ والمنسوخ في كتاب الله، القطع والائتناف)
16. غلام ثعلب، محمد بن عبد الواحد الزاهد، ت:345هـ من مؤلفاته (غريب الحديث، فاءت الفصيح، فضائل معاوية، ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن، المداخل أو المداخلات)
17. الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، ت:370هـ من مؤلفاته (تهذيب اللغة، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي)
18. الزبيدي، أبو بكر محمد بن الحسن ، ت:379هـ من مؤلفاته (طبقات النحويين واللغويين، لحن العوام، مختصر العين، الانتصار للخليل، هتك ستور الملحدين)
19. أحمد بن فارس بن زكريا، ت:395هـ من مؤلفاته (مأخذ العلم، المجمل في اللغة، تمام فصيح الكلام، معجم مقاييس اللغة، الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب، الحجر، حلية الفقهاء)
20. بديع الزمان الهمذاني، أحمد بن الحسين، ت:398هـ من مؤلفاته (المقامات، رسائل بديع الزمان الهمذاني)
مستفادة من كتاب: ((مناهج اللغويين في تقرير العقيدة إلى نهاية القرن الرابع الهجري))
رسالة دكتوراة لمحمد الشيخ عليو محمد طبعة دار المنهاج 1427هـ
.
.
من نفس الموقع
29 أغسطس, 2010
الكتب التي تناولت موضوع الشعر الجاهلي من حيث ثبوته وصحته وعدم نحله ؟
الكتب التي تناولت موضوع الشعر الجاهلي من حيث ثبوته وصحته وعدم نحله ؟
- محمود محمد شاكر ، قصة الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام
- ناصر الدين الأسد ، مصادر الأدب الجاهلي وقيمتها التاريخية
- مصطفى الجوزو ، قراءة جديدة لقضية الشك في أدب الجاهلية
- ابن سلام الجمحي ، طبقات فحول الشعراء
- الرافعي ، الباب الثاني الجزء الأول : تاريخ آداب العرب
المشككون : على رأسهم مارجليوث ( أصول الشعر العربي ) ثم من تبعه كطه حسين وإسماعيل ادهم ، لذا يرجع للمؤلفات التي انتقدت طه حسين من كتابه ( في الشعر الجاهلي ) مثل :
- محمود مهدي الاستنبولي : طه حسين في ميزان العلماء والأدباء
- سيد بن حسين العفاني : أعلام واقزام في ميزان الإسلام 1 / 231 .
"تاريخ الشعر العربي حتى أواخر القرن الثالث الهجري" لدكتور محمد نجيب البهبيتي.
25 أغسطس, 2010
قدمت دراسة علمية لم تلق نقداً علمياً بقلم محمد جلال القصاص ::: حول العقاد
قدمت دراسة علمية لم تلق نقداً علمياً
بقلم:محمد جلال القصاص
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ومن أحبه واتبع هديه ، وبعد :ـ
جزى الله خيراً أخي خالد مرسى على توجه لي بالنصح فيما يتعلق بكتابي عن العقاد ، ولا أدري لم حمل علي ويبدو جيداً من مداخلته أنه لم يقرأ كتابي . بل وظني أنه لم يقرأ أيضاً للعقاد وإنما سأل وجاء يحتج !!
لم أصنف سباً وشتماً في العقاد وإنما قدمت دراسة موسعة لمخرجات العقاد نفسه ، ودللت على كل ما تكلمت به بعديد من الأدلة من كتابات العقاد .
والنهج العلمي يقتضي أن ننقض الدليل ونعارضه .
مثلاً قلتُ أن العقاد لم يكن يؤمن بالوحي وشرحت المقصود بهذا في كتابي وأحضرت شهوداً من كتابات العقاد ، ولم آخذ العقاد بجملة أو جملتين وإنما سياقات كاملة ولم أحضر شاهداً أو شاهدين وإنما شهود ، فعلى من يطالبني بالرجوع عن هذا أن يرد أدلتي بطريقة علمية وهي تستلزم أمرين ـ أو أحدهما ـ رد الدليل والاستدلال على الضد .. أو ما يسمى بالنقد والمعارضة .
ومثلاً بينت أن العقاد أساء الأدب مع صاحبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكلم بما لا يمكن قبوله أبداً ، ودللت على ذلك بسياقات كاملة ، لا بكلمة من هنا وكلمة من هناك فعلى من يطالبني بالرجوع عن هذا أن يبين خطئي في النقل عن العقاد ويتلو علينا شيئاً من توقير العقاد للصحابة رضوان الله عليهم .
وعجيب والله أن يغضب هؤلاء للعقاد ولا يغضبون لما فعل العقاد بصحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ !! .
ومثلاً بينت ( العبقرية والعباقرة ) عند العقاد وكيف أنها فكرةً وتطبيقاً خلية من الروح الإسلامية فعلى أولئك المعجبين بالعبقريات المدعين بأنها خدمت الفكر الإسلامي أن ينقدوا استدلالاتي ويدللوا على الضد .
ومثلا بينت أن العقاد دافع عن ( بولس ) وعن كتاب النصارى وقدم معلومات مشوشة بل مرفوضة عن قضية الصلب المكذوبة فعلى أولئك أن يصطفوا بجوار العقاد ويصوبوا رأيه ويردوا استدلالاتي أو يبينوا أنني أخطأت في نقلي عن العقاد .
هذا هو النقد العلمي أخي الكريم خالد مرسي. ولم تقربه ، بل كأنك لا تعرفه .
السؤال هل كان العلامة محمود شاكر ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ يؤيد العقاد على هذا ؟ أوْ هل تكفي استضافة العلامة شاكر للعقاد لتمرير كل هذا ؟؟
ثم إن أثنى العلامة شاكر ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ فغير من قرنائه قد قال بالضد !! ، وأتفهم جيداً أننا المصريين نهش ونبش لكل من جاءنا حتى وإن كان بغيضاً . أما اصطفاف الشيخ محمود شاكر بجوار العقاد ودفعه عنه بما قد يفهم منه أنهما سواء لم يقل به أحد .
وقصة التحولات والتبدلات التي تحدث في حياة الشخص ناقشتها في كتابي ، بل بدأت الكتاب بترجمة مطولة لحياة العقاد وبينت فيها أن ما أنقضه كان المرحلة الأخيرة من حياة العقاد وليست الأولى قد تلتها تغيرات وتبدلات . فلي حق عليك أن تقرأ الكتاب وتناقش ما ورد فيها ولا تأخذني بكلمة من هنا أو هناك . أو بأمور عاطفية . قد قرأتُ ما كتب العقاد جيداً ، بل بعض الكتب قرأتها ثلاث مرات ( رسالة الله مثلا) وقارنت بين طبعيتين وجدتهما مخافة أن اظلم الرجل لهول ما وجدت في كتاباته .
وقصة الجهل الصارخ أتيت عليها في كتابي أيضاً ، وبينت أن العقاد لم يكن ذاك الجاهل بالدين الذي أتي من جهله ..بل كان يعرف ما يتكلم به ابن القيم معرفة من قرأ طويلا وكثيراً في كتابات ابن القيم ، وكذا ابن تيمية ويعرف السلف الصالح جيداً ... شرحت هذا كله أخي الكريم لم أتركه .
وحين قلت أن العقاد لم يكن أديبا بينت مرادي من الكلام ولم أقع في تناقض كما وهمت ـ غفر الله لي ولك ـ وليتك رجعت للمقال لترى أنني بينت قولي جيداً .
ووهمت أيضا أخي الكريم حين قلت (والشيخ القصاص يسمي كتابه عن العقاد ب" عمالة عباس العقاد للفكر الغربي دراسة تحليلية نقدية " ظنا منه أن هذا الاسم ألطف وأنظف من سابقه! .) هذا هو الاسم الاول لا الثاني ، والثاني هو : ( عباس العقاد ـ دراسة نقدية لعبقرياته وإسلامياته) . فليتك تتدبر .
إن كتابتي عن العقاد لقى ترحيباً واسعاً ممن لهم دراية بحال العقاد ، وأحتفظ بثناءات نفرٍ منهم ،والمعترضون على العقاد ـ مع حسن الظن بهم ويقيني بإرادتهم للخير وحرصهم عليه ـ لا ينقدون ما قدمت لا بقيل ولا بكثير فقط يتكلمون بكلام عاطفي . وهذا لا يثنيني عن ما كتبت .
اكرر شكري لأخي خالد مرسي على المداخلة . وأدعوه لقراءة كتابي على مهل ، ويقيناً سينصفني .
رابط كتاب العقاد
دعوة :
أدعو كل محبين العقاد ممن كبر في حسهم ما تكلمت به عن العقاد إلى مناظرة كتابية في مجموعة الدكتور عبد العزيز قاسم ، والرجل صدره رحب ولا يصادر قول أحد فيما أعلم .والمجموعة نخبوية لا يأنف في الكتابة فيها أحد ، على أن لي طلبات أراها عادلة
1ـ أن يكون المناظر معروفاً . يكتب باسمه الصريح ومن اهل الدعوة أو الادب . وهذا ليس تكبرا . بل حتى لا نناقش نكرة فيأتي مَن بعده يقول نكرة ولو ناقشت عالما لأفحمك . ومن اراد من المبتدئين المناقشة والسؤال ففي البريد
2ـ يحدد عدد المداخلات ولا تزيد عن خمسة لكل واحد ، وتكون مداخلة كل اسبوع . وبهذا لا تطول المناظرة ولا تحمل استرسالات بلا فائدة . فيتابعها ويستفيد منها الجميع .
محمد جلال القصاص
15 رمضان 1431هـ
30 مارس, 2010
قضية تدوين الشعر الجاهلي بقلم الأستاذ عبد الكريم بن عبد القادر عقيلان
قضية تدوين الشعر الجاهلي بقلم الأستاذ عبد الكريم بن عبد القادر عقيلان
· تمهيد:
في التقرير الآتي، محاولة لتلخيص الموقف من قضية تدوين الشعر الجاهلي، وعرض الموضوع سيكون على النحو الآتي:
1. مفهوم التدوين، وفيه:
- مفهوم التقييد.
- مفهوم التدوين.
- التفريق بين المفهومين، ودلالة كل مفهوم في قضية تدوين الشعر الجاهلي.
2. العرب ومعرفة الكتابة، وفيه:
- القائلون بنفي الكتابة عند عرب الجاهلية، والأدلة التي استندوا إليها.
- القائلون بمعرفة عرب الجاهلية بالكتابة، والأدلة التي استندوا إليها.
- الترجيح بين الرأيين.
3. العرب وتدوين الشعر الجاهلي، وفيه:
- القائلون بنفي تدوين الشعر الجاهلي، والأدلة التي استندوا إليها.
- القائلون بتدوين الشعر الجاهلي، والأدلة التي استندوا إليها.
- الترجيح بين الرأيين.
4. النتائج.
· أولاً: مفهوم التدوين:
مصطلح التدوين من الجذر (دون)، ولم أعثر له في كثير من معاجم اللغة العربية كلسان العرب، وتهذيب اللغة، وغيرهما، أما مصطلح (الديوان) فذكره صاحب اللسان بأنه: ”مجتمع الصحف، قال أبو عبيدة: هو فارسي معرب”([1]).
وفي ما يتعلق بالشعر الجاهلي، فالسؤال المطروح هو: هل كتب الشعر الجاهلي وأثبت في صحاف، في العصر ذاته فكانت هي الوسيلة التي نقلته إلى العصور اللاحقة؟ وهو سؤال يتبعه سؤالٌ آخر مفاده: هل صاحب كتابته جمعٌ لتلك الصحاف في ما يشبه الدواوين الشعرية؟
يدفع إلى هذا التساؤل مصطلحان ذكرهما الدكتور ناصر الدين الأسد، في مصادره، وهما: التقييد، والتدوين، حيث ذكر أن الشعر الجاهلي مرّ في مرحلتين من مراحل كتابته: الأولى: التقييد، والثانية: التدوين([2]).
أما التقييد فقد ذكرها بعد أن قدم لمجموعة من الأدلة العقلية والصريحة، التي تشير إلى أن الشعر الجاهلي قد كتب في صحف، على اختلاف أنواعها، في العصر الجاهلي، لذلك تجده يقول في نهاية فصل كتابة الشعر الجاهلي: ” ذلك هو التقييد، وقد جمعنا ما استطعنا أن نعثر عليه من أدلة عقلية ونقلية تسنده. وقد انتهت كلها إلى ترجيح أن الشعر الجاهلي كان يُقيَّدُ في صحف متفرقة لأغراض شتى. غير أن هذا كله مرحلة واحدة من مراحل بحثنا تقودنا إلى مرحلة تالية نتحدث فيها عن تدوين الشعر الجاهلي”([3]).
ولدى حديثه في الفصل اللاحق عن التدوين، أشار إلى أن ما شاع حول عدّ القرن الثاني الهجري بأنه العصر الذي بدأ معه التدوين هو أمرٌ مشكوكٌ في صحته، ثم شرع يعرض لنصوص وأقوال تؤيد نظرته في أن التدوين بمفهومه العام وهو: الصحف المجتمعه، قد كان قبل هذا التاريخ؛ يشير إلى أن الشعر الجاهلي قد جمع في العصر الجاهلي، وقدم أدلته على ذلك، ليخلص بقوله: ” فأمامنا الآن- في هذه النصوص والروايات الثلاث الأخيرة: شعر الفرزدق عن صحيفة دغفل في النسب وما يُفهم من قوله عن وجود دواوين شعر جاهلي عنده، ثم رواية حماد وابن سلام عن جمع النعمان للشعر الجاهلي وتدوينه، ثم رواية ابن الكلبي عن أسفار الحيرة ونقوش كنائسها، وما فيها من أخبار العرب الجاهليين وأنسابهم- أمامنا إذن، في هذه النصوص والروايات، شعر جاهلي وأخبار جاهلية مدونة كلها في أسفار ودواوين من الجاهلية نفسها”([4]).
وبناءً على ما سبق، يتبين ما يلي:
1. التقييد: هو مفهوم له معناه الخاص، وهو في اللغة يفيد التثبيت والربط([5]). وفي الاصطلاح: ”الكتابة الضيقة”([6]) ويَقصِد بها: مجرد الكتابة دون العناية بالنص جمعاً أو ترتيباً.
وفي هذا الجانب، يظهر الفرق بين التقييد والتدوين، على أن كلاًّ منهما يتصلان بالشعر الجاهلي، من حيث أنّ أحدهما يعني كتابته وتثبيته في الصحف، والآخر معنيٌّ بترتيبه وجمعه على شاكلة ديوانٍ جامع.
وحول هذين المعنيين، دارت الخلافات بين النقاد، فتبنى قسمٌ منهم اشتمال الشعر الجاهلي في عصره، على هذين النوعين من الكتابة، وقدموا لذلك أدلتهم عليها، بينما ذهب أخرون، وهم كثير، إلى منح الشعر الجاهلي نسبة ً طفيفة ً من التقييد، فلم يشملوه كله به، ونفوا عنه نفياً مطلقاً أن يكون قد تعرض لأدنى وسائل الترتيب أو الجمع أو التبويب، وهي مراحل متطورة من الكتابة.
وتأتي دلالة التفريق بين المفهومين، في سياق النظرة التاريخية للحضارة الجاهلية- إن صح التعبير- فمجرد الكتابة، يعكس صورة من التقدم الحضاري لشعب ما، بينما يكون للتبويب والترتيب انعكاس آخر على تلك الحضارة.
وما من شك في أن الحضارة التاريخية الجاهلية، قد شابها كثير من الإهمال لدقائقها، وصورت على أنها قطعة من الهمجية، والتخبط، والتخلف عن ركب الأمم المتحضرة، كحضارة فارس والروم.
وليس هذا ما يعنيني في البحث الحاضر، بل هي إشارة إلى تأثير الصورة غير الواضحة على الموقف من مكانة حضارة أمة ما، إضافة ً إلى تدخل تيارات غير عربية في تأريخ حضارتها، وأعني هنا، الاستشراق والمستشرقين، ودورهم في بث الشكوك في تاريخ العرب وحضارتهم، لمسخ الهوية العربية، وتسهيل السيطرة عليها.
· العرب ومعرفة الكتابة:
تعد هذه الفكرة أولى المنطلقات لتحديد ما إذا كان الشعر الجاهلي قد دوّن أم لا. والمؤرخون أمامها كانوا على فريقين: فريقٌ نفى معرفة العرب، في الجاهلية، بالكتابة َ، وفريقٌ أثبتها.
1. القائلون بنفي الكتابة عند عرب الجاهلية:
٭ وجهة نظرهم:
تفاوتت وجهة نظرهم بين نافٍ على الإطلاق، ونافٍ من خلال تقليل حجم معرفة العرب بالكتابة.
٭ من القدماء:
1. عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ): أنكر معرفة العرب بالكتابة مطلقاً، من خلال قوله: ” وكل شيءٍ للعرب إنما هو بديهة ٌ وارتجال... وكانوا أميين لا يكتبون”([8]).
2. محمد بن سعد الزهري (230هـ): قلل من حجم معرفة العرب بالكتابة. يقول: ”وكانت الكتابة في العرب قليلة”([9]).
4. عبدالقادر البغدادي (1093هـ): نفى معرفة العرب بالكتابة. يقول: ”معنى الحصى: العدد، وإنما أطلق على العدد؛ لأن العرب أميون لا يقرأون، ولا يعرفون الحساب”([11]).
٭ الأدلة التي استند عليها القدماء:
إنّ جل اعتماد هؤلاء النقاد، في نفيهم الكتابة عن الجاهليين، إنما هو على ما وصلهم من أخبار في الآثار التي تدون لحياة الجاهليين؛ فاعتمدوا عليها اعتماداً كلياً، وكان أغلب تلك المدونات تظهر الحقبة الجاهلية على أنها قليلة الحظ من كل عمران ورقيٍّ، وأن العرب كانوا أمّة ً أمية ً لا حظ لها من علمٍ أو معرفةٍ أو كتابةٍ([12]).
٭ من المحدثين:
وهؤلاء كانوا من المستشرقين، على الأغلب، أما العرب المحدثين، فلم أعثر على من نفى معرفة عرب الجاهلية بالكتابة، فهم يثبتونها، وسيأتي الحديث عنهم في الموضوع اللاحق. أما المستشرقون الذين نفَوا معرفة العرب في الجاهلية بالكتابة فأشهرهم([13]):
1. مرجليوث: مقالته (أصول الشعر العربي).
2. شارل جيمس ليال: في مقدمة الجزء الثاني من (المفضليات).
3. جورجيو ليفي دلاّ فيدا: مقالته (بلاد العرب قبل الإسلام).
4. بلاشير: (تاريخ الأدب العربي- العصر الجاهلي).
٭ وجهة نظرهم:
ربما توافر هؤلاء على الاقتناع بأنّ الشعر الجاهلي لم يدوّن في الجاهلية، وهم في هذا الإطار يشيرون من قريب أو بعيد، إلى أن الكتابة لم تكن معروفة في الجاهليةٍ، وهدفهم تأكيد نفي الكتابة عن الشعر الجاهلي، وبالتالي إضعاف قيمة الشعر المنسوب إلى العصر الجاهلي الذي بين أيدي الدراسين. وقد دارت مقالاتهم حول البحث في مدى صحة نسبة الشعر الجاهلي إلى ذلك العصر السحيق، وناقشوا عدة قضايا ليست هي مدار هذا البحث([14]).
٭ الأدلة التي استندوا إليها في وجهة نظرهم:
تدور مستندات المسشترقين لإثبات دعواهم وتشكيكهم في أصل الشعر الجاهلي وصحته، وما يتصل بها من إثبات أو نفي للكتابة لدى الجاهليين، على الدليل المادي الملموس، الذي يتمثل في عدم القطع بحكم عن فترة سابقة سحيقة، دون وجود أدلة عينية من أدوات مكتوبة، أو منقوشة لإثبات فكرة ما، ولذلك تجد الدكتور شوقي ضيف يقول- بعد أن عرض لصور من التطور الذي حصل للخط العربي، حتى أخذ شكله النهائي: ”وليست المسألة فرضٌ واحتمال، وإنما هي مسألة نقوش حملت إلى علماء الساميات الدليلَ القاطعَ، الذي لا طعنَ فيه، على هذة الحقيقة”([15]).
وعليه، ربما حكم هؤلاء المسشرقون؛ لقلة ما توفر لديهم من نقوش وكتابات تعود إلى العصر الجاهلي، على أن الكتابة لم تكن ظاهرة حضارية يُعرفُ بها العرب، وهذا ما تجده في الكتب الأدبية كما أشار إلى ذلك الدكتور الأسد.
ويضاف إلى هؤلاء قسمٌ آخر، ربما أخذ على نفسه عهداً بالطعن في كل ما يعلي من شأن العرب في الجاهلية، فأرادوا أن لا يقولوا بوجود الكتابة؛ ليقللوا من أهمية وجود شعر جاهلي صحيح النسبة لذلك العصر، وهذه دوافع تخفي وراءها الرغبة في نفي الأصالة عن الشعر العربي في إحدى جوانبه.
2. القائلون بمعرفة عرب الجاهلية بالكتابة:
٭ من القدماء:
1. أحمد بن فارس (395هـ): يثبت معرفة العرب في الجاهلية بالكتابة معرفةً حقيقية. يقول: ”فإنا لم نزعم أن العرب كلها، مدراً ووبراً، قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم: فما كلٌ يعرف الكتابة والخط والقراءة”([16]).
2. أقوال متناثرة في مؤلفات قديمة كثيرة:
- فتوح البلدان: أحمد بن يحيى البلاذري (279هـ).
- تاريخ الأمم والملوك: محمد بن جرير الطبري (310هـ).
- الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني (356هـ).
- معجم البلدان: ياقوت الحموي (626هـ).
حيث جاءت في هذه المؤلفات مجموعة من الأقوال التي تشير إلى وجود الكتابة في العصر الجاهلي. ولكن حجم الكتابة التي يقرونها متفاوت لا يقدمها على أنها ظاهرة حضارية.
1. الاعتماد على التاريخ الذي ذكر طبيعة الحياة الجاهلية.
2. الاعتماد على النصوص الشعرية المنسوبة إلى العصر الجاهلي، التي تذكر أدوات الكتابة ومعرفة العرب بها.
3. الاعتماد على نصوص القرآن الكريم التي جاءت تخاطب العرب وتعلي من شأن الكتابة وتقسم بأدواتها.
4. أدلة عقلية ونقلية، ذكرها الدكتور الأسد، في مصادره.
٭ من المحدثين:
1. الدكتور شوقي ضيف: (العصر الجاهلي، الفن ومذاهبه- النثر).
2. الدكتور يوسف خليف: (دراسات في العصر الجاهلي).
3. الدكتور ناصر الدين الأسد: (مصادر الشعر الجاهلي).
4. الدكتور أحمد الحوفي: (المرأة في الشعر الجاهلي).
3. الترجيح بين القولين:
بعد العرض الموجز، السابق، أرجح فريق إثبات الكتابة في العصر الجاهلي؛ وذلك لقوة الأدلة التي قدمها هؤلاء لإثبات معرفة العرب بالكتابة، وعلى رأسهم الدكتور ناصر الدين الأسد، حيث أفرد باباً كاملاً بعنوان: ”الكتابة في العصر الجاهلي” في مصادره، فعرض فيه لنشأة الخط العربي وتطوره، وذكر أخبار تعلّم الكتابة في الجاهلية، ليأتي الفصل الثاني ليذكر فيه موضوعات الكتابة وأدواتها مدعماً أقواله بأدلّةٍ نقليةٍ وعقليةٍ استند فيها إلى مصادر تراثية موثوقة، وهي تلك المصادر الأدبية التي سبق ذكر بعضها سابقاً.
وأمام هذا الترجيح، أستند أيضاً إلى التعليل الذي قدمه الأسد ليشير إلى أن الدراسات التي نظرت إلى حياة العرب في الجاهلية، لم تكن بالقوة التي تعلي من شأن أقوال فريق النفي؛ إذ يعلل الأسد ذلك بقوله: ” ... لايكاد كتاب عربي قديم يخلو من ذكر الجاهلية وحياة أهلها، ولكن الحديث عن هذه الجاهلية لم يكن يٌُقْصدُ لذاته، فتسبر أغواره ويُلمّ شتاته، وإنما كان يُقْصَدُ لغيره من موضوعات العصور الإسلامية...وكان من أثر هذا...أن أخبار حضارة الجاهلية جاءت في هذه الكتب ناقصة شائهة، ثم متناقضة متنافرة في الكتاب الواحد للمؤلف الواحد، ولكن الصفة الغالبة والسمة الظاهرة، التي لا يكاد يشذ عنها كتاب قديمٌ، هي وصف مظهرٍ من مظاهر الحضارة المدنية، وأن العرب كانوا أمّة ً أمية جاهلةً لا حظّ لها من علمٍ أو معرفةٍ أو كتابة”([18]).
وعليه، فإن قوة أدلة الفريق، الذي ينفي الكتابة في العصر الجاهلي ضعيفة، بالمقارنة بأدلة فريق الإثبات، ولذلك أضم صوتي إلى صوت الفريق الثاني، دون تردد.
· تدوين الشعر الجاهلي:
بعد العرض السابق، الذي خلص إلى أن الكتابة كانت موجودة في العصر الجاهلي، حيث عرف العرب أدواتها، واستخدموها في حياتهم باختلاف صنوفها، يأتي الحديثُ عن القضية الأساس، وهي: إن كان العرب قد عرفوا الكتابة، فهل استخدموها في كتابة الشعر الجاهلي؟ ثم هل انتقل الشعر الجاهلي، إن ثبتت كتابته، من مرحلة التقييد إلى مرحلة التدوين والجمع والترتيب؟.
ومرةً أخرى يكون البحث في هذا الموضوع منقسماً إلى قسمين:
1. القسم الأول: فريق ينفي استخدام الكتابة في كتابة الشعر الجاهلي، ويتضمن أن عملية تدوين الشعر الجاهلي، غير حاصلة له في العصر الجاهلي، وأن جل ما دون من شعر إنما هو من عمل كتاب القرن الثاني الهجري، وإن حصل للشعر الجاهلي بعض الكتابة فهو لا يتجاوز بعض القصائد، أو المقطوعات، ولا يوجد دليل على أنها وصلت إلينا مكتوبة ً، أو أن وثائقها كانت في أيدي الرواة([19]).
٭ القائلون بهذا الرأي:
1. يوسف خليف: دراسات في الشعر الجاهلي.
2. شوقي ضيف: العصر الجاهلي.
3. المستشرقون، ومنهم: بلاشير- تاريخ الأدب العربي: العصر الجاهلي.
٭ الأدلة التي استندوا إليها:
1. فكرة تدوين الشعر الجاهلي عملٌ يستلزم مستوًى حضارياً معيناً، تكون فيه الكتابة ظاهرة حضارية، لا مجرد ظاهرة حيوية، وهذا ما لم يتحقق في نظرهم في المجتمع الجاهلي([20]).
2. قولهم بأنه لا يتوفر بين أيديهم أي دليل مادّي على أن الجاهليين اتخذوا الكتابة وسيلة ً لحفظ أشعارهم([21]).
2. القسم الثاني: فريقٌ ينادي بثبوت كتابة الشعر الجاهلي، بل وتعدى الكتابة إلى أن دوّن ورُتّبَ، وحجم المادة التي كتبت ودونت حجمٌ كبير يأتي على معظم الشعر الجاهلي، وأن الرواة إنما حصلوا على هذة المدونات، وعملوا على انتخابها وتنقيحها، فكانت لهم تلك الشهرة والنسبة إلى رواية الشعر الجاهلي([23]).
٭ القائلون بذلك:
1. الدكتور: ناصر الدين الأسد.
2. أ.د. عبد الحميد المعيني.
1. أدلة عقلية استنباطية.
2. أدلة صريحة مباشرة تشيرإلى كتابة الشعر الجاهلي في عصره.
٭ الترجيح بين الأقوال:
من خلال ما سبق، أرجح قول من يثبت كتابة الشعر الجاهلي، بمعنى التقييد، والتدوين. وأضيف إلى ما قدمه هذا الفريق من أدلة، ما يتعلق بأمر كتابة القرآن الكريم، وجمعه.
حيث أن ” الذي عليه أكثر أهل العلم أن أولية أبي بكر رضي عنه في جمع القرآن أولية خاصة، إذ قد كان للصحابة مصاحف كتبوا فيها القرآن أو بعضه، قبل جمع أبي بكر، إلا أن تلك الجهود كانت أعمالاً فردية، لم تظفر بما ظفر به مصحف الصديق من دقة البحث والتحري، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حد التواتر، والإجماع عليها من الصحابة، إلى غير ذلك من المزايا التي كانت لمصحف الصديق رضي الله عنه”([25]).
قلت: لقد ثبت بالدليل القاطع أن القرآن الكريم كان قد كتب في العهد النبوي، وكانت له صحافه التي اجتهد بعض الصحابة في الكيفية التي يعتنون بالقرآن من خلالها، غير أن التأريخ يسجل لأبي بكر أنه قام بجمعه وتدوينه، أي: ترتيبه في مصحف واحد يجمع سور القرآن كلها، ويعتمد على أنه كتاب كامل. ومن خلال هذا الموقف أرى أن ما حصل مع الشعر الجاهلي هو مقارب لما حصل مع القرآن من حيث أنه كتب ودوّن بفعل اجتهادات فردية، حتى إذا تخصص بعض الرواة بدور الرواية واحترافها كمهنةٍ يتكسبون منها، طافوا يبحثون عن هذه المدونات ويجمعونها، وبالتالي استطاع شخص مثل حماد الراوية أن ينتخب من قصائد العرب الجاهلية تلك السبع، وبالتأكيد بعد الموازنة والمقابلة والأخذ والرد، لكثيرٍ من القصائد التي يستلزم من الراوي أن تكون معروضةً أمامه ليتيسر له الانتقاء والانتخاب.
ويأتي خبر عبيد الشعر وحولياتهم، التي يفرض العقل أن تكون القصائد أمام ناظر الشاعر؛ ليتيسر له تنقيح قصيدته، لتخرج بتلك الحلية الإبداعية.
ومن هنا وقف التاريخ أمام جهد الرواة وذياع صيتهم، فنسب انتقال الشعر الجاهلي إلى العصور اللاحقة إليهم، و أن الرواية هي الطريقة التي انتقل بها الشعر الجاهلي، ولكنه لم ينظر إلى الرواة على أنهم اعتنوا بنقل الشعر الجاهلي بما توفر لهم من صحاف ومدونات مكنتهم من حفظ تلك القصائد ومعرفة قائليها وتمييز جيدها.
ولا ينفي ذلك أن يكون الرواة قد حصلوا على بعض القصائد من أفواه الحافظين لها، غير أن مسألة الكتابة والتدوين، وحجم الشعر الجاهلي الذي توفر للدارسين يفرض أن تكون قصائده قد دونت، فخشية عمر بن الخطاب على ضياع القرآن الكريم بسبب موت حفاظه قد دعت إلى جمعه وتدوينه، ومن نفس الباب يمكن أن يقال بأن بقاء الشعر الجاهلي بتجاوز أكثر من مئة عامٍ يفرض أن يكون أصحابه ومن اهتم به، قد حفظه في صحاف ومدونات، خشية أن يضيع.
*****
· النتائج: بعد العرض السابق تظهر النتائج الآتية:
1. الحديث عن كتابة الشعر الجاهلي يستلزم التفريق بين مفهومين: التقييد، ومعناه: كتابة الشعر الجاهلي كتابة ضيقة وتثبيته على صحائف. والمفهوم الثاني: التدوين ومعناه: جمع الشعر الجاهلي وترتيبه بشكل متكامل يشبه الدواوين الشعرية الحالية إلى حدٍّ ما.
2. البحث في هذه القضية يستلزم الإلمام بحقيقة العصر الجاهلي وحال العرب من حيث معرفتهم للكتابة أو جهلهم بها.
3. القضيتان السابقتان كانتا مِفصَلاً انقسم النقاد به إلى فريقين: فريقٌ يؤيد معرفة العرب بالكتابة بشكل مطلق، وبالتالي بنى حكمه في ما يتعلق بكتابة الشعر الجاهلي بالإيجاب، وقدم الأدلة التي تدعم توجهه. وفريقٌ عارض معرفة العرب أو أنكرها ومنهم من اعترف بوجودها على استحياء لا يسمح بتدوين الشعر الجاهلي معه، فأنكر التقييد المطلق، كما رفض فكرة تدوينه.
4. القضايا السابقة كان لها رجالها من القدماء والمحدثين. ويظهر أن النقاد المحدثين الذين أنكروا الدور الجاهلي ومعرفته الحضارية بالكتابة وبالتالي حفظ شعرهم، إنما اعتمدوا على مستندات لم تعرض للصورة الحقيقية للحياة الجاهلية، فجاءت أدلتهم ضعيفة، بالمقارنة مع قوة حجج الطرف الآخر في إثباته لحضارة الجاهليين.
5. لعب المستشرقون دوراً بارزاً في ما يتعلق بالعصر الجاهلي وشعره، وسعوا بجدٍّ إلى ترسيخ فكرة عدم بلوغ عرب الجاهلية أدنى مستوى من الحضارة، فشككوا في الشعر المنسوب إليهم، مستغلين بعض الحقائق حول قضية الانتحال.
6. من النقاد العرب من تأثر في فكره ونظرته إلى الشعر الجاهلي بالفكر الاستشراقي، فجاءت أحكامهم مقاربة للمستشرقين، في موقفهم من قضية تدوين الشعر الجاهلي.
7. قضية جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر تضيء الطريق أمام الحكم على كيفية التعامل مع الشعر الجاهلي، ذلك أن التأريخ قد سجل لأبي بكر جمعه، في حين أن التأريخ ذاته يثبت أنه كُتب في عهد النبوة، وكان لبعض الصحابة مدوناتهم الخاصة. فمثل هذه الحادثة تفيد في أن يُحكم على تعامل الشعراء مع قصائدهم كما تعامل بعض الصحابة مع القرآن، حتى قيض الله أولئك الرواة المحترفين، الذين كرسوا أنفسهم لجمع تلك المدونات وتنقيحها، فتسنى لهم جمع معلقاتهم، ومفضلياتهم، وأصمعياتهم؛ وعليه يكون الحكم بأن انتقال الشعر الجاهلي عن طريق الرواية، إنما هو خلل في فهم طبيعة الدور الذي قام به الرواة لا أكثر.
· ثبت المراجع:
1. ابن سعد، محمد الزهري. كتاب الطبقات الكبير، 1322هـ.
2. ابن عبد ربه. العقد الفريد، تحق: محمد سعيد العريان، دار الاستقامة، 1940م.
3. ابن فارس، أحمد. الصاحبي في فقه اللغة، المكتبة السلفية، 1910م.
4. ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب، دار صادر، بيروت.
5. الأسد، ناصر الدين. مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، دار الجيل، بيروت- لبنان، ط7، 1988م.
6. الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين الأموي. الأغاني، دار الكتب.
7. البغدادي، أحمد بن ثابت. خزانة الأدب ولب لباب العرب، المطبعة السلفية، 1347هت.
8. الجاحظ، عمرو بن بحر. البيان والتبيين، تحق: عبدالسلام هارون، 1948م.
9. خليف، يوسف. دراسات في الأدب الجاهلي، مكتبة غريب.
10. ضيف، شوقي. العصر الجاهلي، دار العارف، القاهرة، ط8.
· الإنترنت:
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
([25]) موقع الشبكة الإسلامية: http://www.islamweb.net/ver2/archive/readArt.php?lang=A&id=14201. للتوسع انظر: جمع القرآن في مراحله التاريخية : محمد شرعي أبو زيد.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)